January 22, 2021

حسني مبارك.. أطاحته الثورة قبل عقد وما زال نظامه يحكم مصر

Spread the love

المصدر ساسا بوست
تقف الصحفية والناشطة المصرية-الأمريكية منى الطحاوي في مقالها المنشور في مجلة بوليتيكو الأمريكية على سنوات حكم حسني مبارك وتسترجع ذكرياتها مع الانتهاكات والاحتجاجات ورحلة البلد في محاولة التخلص من ديكتاتورها، وما يقابل ذلك من وضع البلد الحالي مع ديكتاتورٍ جديد أشرس ونظام حكم ما يزال قائمًا على الترهيب والقمع.

كل هذا يحدث في مصر؟

عن عمرٍ يناهز 91 عامًا، توفي حسني مبارك حرًّا ثريًّا مُترفًا بعد أن قضى ثلاثين عامًا من حياته يسرق ويعذّب ويختطف مصر. هكذا تقف منى الطحاوي عند لحظة موت الديكتاتور الذي حكم بلدها لثلاثة عقود، مشبّهةً الأمر بموت شخص معتد كان أذاه يطال حياتك لمدة طويلة، لا تحزن هنا على موت المعتدي بل على صورِ نفسك التي كان يحتمل وجودها من دونه: لم يسرق مبارك ثروات المصريين بالفساد المستشري فحسب، بل سرق قدرتنا على التخيل. أضاع مبارك وقتنا، والكثير من سنينا.

تستذكر الطحاوي: كان عمري 14 عامًا حين أصبح مبارك رئيسًا عام 1981، وكان عمري 44 عامًا حينما أجبرته ثورة استمرت 18 يومًا – وهي جزء من الربيع العربي التاريخي – على التنحّي في 11 فبراير من عام 2011. كنتُ في برنامج بريان ليرر الإذاعي في ذلك اليوم، والذي يسجّل في محطة WNYC الإذاعية أمام جمهور استديو. أثناء الاستراحة، اتصل بي صديق مصري أجبر على اللجوء إلى المنفى لنشره مقاطع فيديو تُظهر وحشية الشرطة المصرية على مدونته، ليخبرني وصوته يتقطع من البكاء: «رحل يا منى! رحل!»، وكنتُ أبكي حين اُستؤنف البرنامج.

أخضع مبارك مصر لقانون الطوارئ في جميع سنوات حكمه، سنةً وراء سنةً. ازدادت وحشيّة الأجهزة الأمنية المخيفة واستفحلت جرأتها في الاعتقالات والتعذيب. زُورت الانتخابات بصورةٍ روتينية، وأدّت الرأسمالية القائمة على محاباة المقرّبين دورها بملء الحسابات المصرفية لعائلة مبارك ودوائرهم في وقتٍ يرزح به الملايين تحت وطأة الفقر.

تعودُ الطحاوي إلى ملاحظاتها التي جمعتها في مسيرتها الصحفية التي بدأت منذ عام 1989: مذ أصبحت صحفية غدت جرائم نظام مبارك مألوفةً لي وكأنها عبارة عن صوت الديكتاتور. تمثلت واحدة من أولى مهامي الصحفية في إجراء مقابلة مع امرأة في الستينيات من عمرها جاءت إلى القاهرة من قريتها في جنوب مصر لطلب إنصافها من المنظمة المصرية لحقوق الإنسان – وهي منظمة غير ربحية – لم أنس قصة هذه المرأة بعمري، إذ أصرّت الشرطة على أن تشهد ضد رجلٍ قالوا إنه سارق سيارات لكنها رفضت مؤكدةً أنها لم تره يسرق أيّ شيء.

أخذتها الشرطة من منصّة المشروبات الغازية التي كانت تديرها إلى مركز الشرطة حيث اغتصبوها شرجيًا بقدم الكرسي. سماع هذه القصة كانت مقدمة الطحاوي لفهم مستوى شناعة استغلال السلطة لدى الشرطة.
أخذت الطحاوي تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان الذي وثّق حالة المرأة المذكورة مع آخرين، وعادت إلى بيتها حيث كانت تعيش مع عمٍ لها في ذلك الوقت. طلب العمّ الاطّلاع على التقرير ليعيده لها في صباح اليوم التالي وأهوال ما قرأ باديةً على سمات وجهه: «تحدث هذه الأشياء في مصر؟» تساءل عمّها. كانت الطحّاوي قد عادت إلى بلدها مصر منذ مدة غير بعيدة، وكانت تسأل أعمامها وخالاتها وأقاربها كل يوم: «أين الثورة؟!» لم تكن الانتهاكات هي ما يؤرّقها فقط، بل الفقر أيضًا فنصف سكان مصر يعيشون على دولارين في اليوم لا أكثر.
تستكمل الطحاوي ذكرياتها: كنتُ مراسلة لرويترز وصرختُ باسم مبارك في العديد من المؤتمرات الصحفية درجة أنه وصفني بـ«مثيرة المتاعب من رويترز»، وكان التصريح الصحافي المُعطى من الرئيس بطاقةً ثمينة تُستخدم لمكافأة الصحفيين ومعاقبتهم أيضًا. وتستذكر الطحاوي إحدى المرات التي لم تقف فيها عند دخول حسني مبارك لأحد المطاعم المفتوحة، وما تبع ذلك من مصادرة أفراد الأمن لبطاقتها الصحفية. اتصلت رويترز بالمكتب الإعلامي للرئيس لاستعادته، ليقال لهم: «في المرة القادمة التي يدخل فيها الرئيس إلى أيّ مكان، احرصوا على أن تقف منى الطحاوي».

ثورة شعب
تعودُ الصحفية منى الطحاوي إلى أول مرةٍ صرخت بها بهتاف «يسقط، يسقط حسني مبارك! »، واصفةً ذلك اليوم: كان الوقت خلال ساعة الذروة بعد ظهر أحد أيام يونيو (حزيران) 2005، في شبرا – أحد أحياء الطبقة العاملة في القاهرة – كانت بعض الاحتجاجات صغيرة الحجم ولكن مذهلة في شجاعتها قد بدأت في العام السابق في الظهور في القاهرة ضمن تجمعات الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية).
لم نكن أكثر من مئة شخص في ذلك اليوم، نتظاهر على طول الشارع. كنتُ قد غطيت الاحتجاجات بصفتي الصحفية وبعدها بدأت بالهتاف مع أبناء وطني. كانت قوات الشرطة تحيط بمظاهرتنا من الجانبين، ونلتقي أحيانًا بالركاب المتجهين إلى منازلهم في ساعة الذروة الذين كانوا ينظرون إلينا وكأننا فقدنا عقولنا، متسائلين على ما يبدو إن كنا «سنذهب إلى ما وراء الشمس» وهي العبارة المصرية التي ترمز إلى الاختفاء القسري الحاصل لأغراض سياسية.

تتابع الطحاوي: ذهبتُ إلى هذا الاحتجاج مع المدون والمبرمج والناشط الحقوقي الأناركي – بحسب وصف الكاتبة – علاء عبد الفتاح، والذي حاله حال غالبية الشعب المصري، لم يعرف أيّ حاكم آخر غير مبارك. ولد علاء بعد شهر من اغتيال جنود الرئيس أنور السادات خلال عرض عسكري عام 1981، حيث كان يقف نائبه حسني مبارك إلى جانبه. مع امتداد حكم مبارك وتقدمه في الزمن، وجدت الفئة اليافعة من المصريين نفسها مع عرضٍ سياسي مروّع مقتبس من رواية «بورتريه دوريان غراي»، وبحلول نهاية حكم مبارك لم يعد «أبو الأمة» بقدرِ ما هو «جدّ الأمة».

مبارك.. ديكتاتور برعايةٍ أمريكية
توفي حسني مبارك هذا العام بعد أيامٍ فقط من الذكرى التاسعة للإحاطة به، ومع إنهاك المصريين الشديد من شراسة الديكتاتور الحالي عبد الفتاح السيسي تحسّر البعض على أيام مبارك. قد لا يلاحظ الجميع أن مبارك قتل حوالي 900 شخص خلال انتفاضة 2011، فيما قتل السيسي أكثر من 800 شخص في يوم واحد من عام 2013. وربما لم يعلم الكثير من الأمريكيين بخبر وفاة مبارك هذا العام، رغم الدور المحوريّ الذي لعبته الولايات المتحدة في عملية إبقائه في السلطة.
امتد حكم مبارك لمصر على مدى 30 عامًا تبادل في أثنائه خمسة رؤساء أمريكييون ديمقراطييون وجمهوريون على منصب الرئاسة الأمريكي، كلّ منهم يدعم نظام الحكم المصري بالأسلحة ومليارات الدولارات، مع الإصرار طوال الوقت على أننا نحن – المصريين – نحبّ أن يحكمنا زعيم بقبضةٍ من حديد لأنها الطريقة الوحيدة التي نعرف بها الاستقرار. وتعتبر الطحاوي أن هذا كان تلاعبًا نفسيًا كلاسيكيًا، وهو مشابه لموقف يقوم فيه أصدقاء المسيء لك بالشرح الذكوري المتعجرف لإساءته، شرحه لك، وإصرارهم على أن إساءته تصبّ في مصلحتك.
أمضى مبارك 30 عامًا في ترسيخ نظام حكم يستمر في سرقة وتعذيب وتقييد مصر، ومع ذلك، ورد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصف السيسي «ديكتاتوري المفضل». وبالمثل، صرّح الرئيس المنتخب جو بايدن في مقابلة مع قناة پي بي إس في منتصف الثورة المصرية عام 2011 بالقول: «مبارك حليفنا في العديد من الأشياء.. لن أشير له على أنه ديكتاتور». أظهر بايدن استعداده لتسمية السيسي بالديكتاتور، لكن هل ستتغير سياسة الولايات المتحدة تجاه مصر حين يتولى منصب الرئاسة؟

تترك الصحفية منى الطحاوي هذا السؤال رهن المستقبل، وتعود لعلاء عبد الفتاح، الشاب الأناركي الذي اصطحبها إلى احتجاجها الأول. ما يزال علاء في سجون السيسي الآن، هو وما يقدّر بنحو 60 ألف سجين سياسي آخر. لقد مات مبارك، لكن النظام ما زال قائمًا في مصر حتى الآن.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: