March 28, 2020

قراءاتٌ مؤثّرةٌ لسنة 2030: شباب المجتمع البدويّ يعلّمنا فنّ صنع الممكن

Spread the love

قراءاتٌ مؤثّرةٌ لسنة 2030: شباب المجتمع البدويّ يعلّمنا فنّ صنع الممكن
تحليلٌ لمعطياتٍ صادمةٍ .. د. منال حريب

هذا المقال مكرّسٌ بكلّ الحبّ لمجموعة “دلّتنا” الرائعة، فهم الذين ألهموني بنشره.
تمّ إجراء بحثٍ تطبيقيٍّ من قبل معهد مشاف في سنة 2018، وقد تطرّق إلى طلبة الجامعات والأكاديميّين من خرّيجي قرية بئر المكسور، والجهة التي ساهمت في إجرائه هي مؤسّسة الفنار التي تنشط في البلدة وفي المجتمع البدويّ بصفةٍ عامّةٍ. نتائج البحث هامّةٌ جدًّا، وتستحقّ التوقّف والوقوف عند تداعياتها.
أشارت نتائج البحث إلى أنّ العدد المقدّر للطلبة في الجامعات والكلّيّات في بئر المكسور في عام 2018 هو 355 طالبًا وطالبةً، وهم يشكّلون 6.3% من مجمل السكّان (أصحاب حقّ الاقتراع)، في حين أنّ عدد الأكاديميّين المقدّر الذين تخرّجوا هم 352، ويشكّلون قرابة 6.2%، وتعبّر هذه المعطيات عن موازنةٍ وتقاربٍ ملحوظٍ بين من سلك سبيل التعليم العالي ومن وصل، وإذا كانت المعطيات المذكورة حقيقيّةً فمعناه أنّنا في نقطةٍ مفصليّةٍ ترتبط بمستقبل البلدة، فذلك يضعنا أمام فرضيّةٍ تؤكّد مضاعفة خرّيجي البلدة في اللقب الجامعيّ الأوّل في العام 2022، وهو تحوّلٌ مفصليٌّ في تاريخ البلدة.
في الوقت الذي بدا فيه معطى خرّيجي الأكاديميّة واقعيًّا جدًّا بالنسبة لي، فإنّ معطى طلبة الجامعات والكلّيّات كان ذا وقعٍ صادمٍ، فبعد مراجعة البحث المذكور ومعاينة معطياته تبيّن أنّه تطرّق لعيّنةٍ واسعةٍ من جمهور البحث، وأنّ طاقمه قد حصل على البيانات من نسبةٍ تقدّر بـ 50% من مجمل الطلبة والأكاديميّين . تعتبر مثل هذه العيّنة واسعةً نسبيًّا، ممّا يعزّز مصداقيّتها، لكنّ صدمتي بمعطى الطلبة قد دفعني للتحقّق من المعطى ذاته وفحصه وتقديره.
عدت لبيانات لجنة الإحصاء المركزيّة إزاء عدد الطلبة الأكاديميّين الدارسين للقب الأوّل من أبناء القرية وبناتها، وتبيّن لي من البيانات المحتلّنة للعام 2016 أنّ عدد طلّاب اللقب الأوّل في جامعات البلاد المعترف بها هو 126 طالبًا، ولا يشمل هذا طلّاب القرية الدارسين خارج البلاد أو الملتحقين بكلّيّاتٍ مانحةٍ لشهادات تدريس أو هندسةٍ أو تمريضٍ ونحو ذلك.
بناءً على قراءتي في البيانات المعتمدة من لجنة الإحصاء؛ تبدّت لي الافتراضات الأربعة الآتية منطقيّة:
• أنّ نسبة الانتساب السنويّ للتعليم العالي في القرية بقي كما هو منذئذٍ.
• أنّ عدد الطلّاب الجامعيّين الذين يتوجهون للدراسة خارج البلاد، هو 7 طلّاب سنويًّا في أقلّ تقديرٍ.
• أنّ عدد طلّاب الكلّيّات أكبر من عدد الطلّاب الجامعيّين، فهم يفوقون عدد طلّاب اللقب الأوّل بنسبة الثُلث.
• أنّ معدّل إنهاء اللقب الأوّل هو قرابة الأربع سنوات.
تعتمد هذه الفرضيّات- كما نوّهت- على تقديرٍ يعتمد التصوّر الأقلّ تفاؤلًا (سيناريو أضعف الإيمان)، ومؤدّاهُ أنّ في قرية بئر المكسور خلال العام 2018 التحق 126 طالبًا في اللقب الأوّل في الجامعات الإسرائيليّة (كما في سنة 2016)، وأنّ 28 طالبًا درسوا اللقب الأوّل في جامعاتٍ خارج البلاد (حصيلة فوج مكون من 4 سنوات)، وأنّ 205 طالبًا التحق بالكليّات، ومجموع ذلك كلّه هو 358 طالبًا، وهو عددٌ منسجمٌ مع محصّلة بحث معهد مشاف ومؤسّسة الفنار، ويؤكّد واقعيّته ويعزّز معطياته القابلة للتحليل.
معنى المعطيات بالأرقام وعلاقتها المستقبليّة بصناديق الاقتراع في كلّ القرى البدويّة في الشمال:
رغم أنّ المعطيات المتوفّرة لدينا تخصّ قرية بئر المكسور، فإنّ قراءةً خاطفةً في إحصائيّات لجنة الإحصاء المركزيّة تدعو للاطمئنان بأنّ واقع سائر القرى البدويّة في شمالي البلاد مشابهٌ مع وجود تبايناتٍ طفيفةٍ بين قريةٍ وأخرى.
استنادًا لسيناريو “أضعف الإيمان” الذي اعتمدته، أي الحفاظ على نسبة الانتساب للتعليم العالي السنويّة (رغم توقّعي ارتفاعها) فهذه نتائج تحليلي:
• في سنة 2022، وهي موسمٌ لانتخابات السلطات المحلّيّة: من المتوقّع أن يتضاعف عدد الأكاديميّين (ممن انهوا دراستهم) فيها مقارنةً بسنة 2018، وسيكون عدد الأكاديميّين أصحاب حقّ الاقتراع قرابة الـ 12.5%، ونسبة طلبة الجامعات والكلّيّات 6.3%.
• في سنة 2026، ستكون نسبة الأكاديميّين (ممن انهوا دراستهم)أصحاب حقّ الاقتراع قرابة 19% ونسبة طلبة الجامعات والكلّيّات 6.3%.
• في سنة 2030، ستكون نسبة الأكاديميّين أصحاب حقّ الاقتراع قرابة 24%، ونسبة طلبة الجامعات والكلّيّات 6.3%.
حصيلة ما ذُكر أنّه بعد عشر سنواتٍ، أي في عام 2030 سيكون 30% من جمهور الناخبين أكاديميّين أو طلبةً جامعيّين أو طلبة كلّيّاتٍ.
الدينامو المحرّك للنقلة النوعيّة عام 2030 هي الطاقات الشبابيّة
من خلال متابعةٍ لتحرّكات المجموعة الشبابيّة الفعّالة من كثبٍ، ودراسة مميّزاتها الخاصّة، أُقدّرُ بتواضعٍ أنّ كوادر الشباب يتمتّعون بصفاتٍ مفتاحيّةٍ وبطاقاتٍ انتاجيّةٍ وقياديّةٍ جمّة، تساعدهم في نقل المجتمع البدويّ نقلةً نوعيّةً على الصعيدين: الاجتماعيّ والسياسيّ، إضافةً للصعيد العلميّ بسلاسةٍ. يكمن سرّ التأثير في خمسة صفاتٍ جوهريّةٍ تتمتّع بها مجموعة النواة الشبابيّة التي ينبغي أن تميّز كلّ مجموعةٍ تسعى لإحداث نقلةٍ نوعيّةٍ في كلّ مجتمعٍ، وهي:
• التنظيم: شبابٌ ذوو قدرةٍ عاليةٍ على التنظيم وسرعة الحركة وقدرةٍ على حشد الجماهير.
• مثلّث الهويّة: شبابٌ مع مثلّث هويّةٍ متوازنٍ يتميّز بالتمسّك بالجذور البدويّة، بهويّةٍ وطنيّةٍ فلسطينيّةٍ واضحةٍ وانفتاحٍ على العالميّة.
• التنوّع والديمقراطيّة: شبابٌ مع فكرٍ محتضنٍ للتنوّع، الاختلاف، المساواة الجندريّة والديمقراطيّة.
• روح الفريق: شبابٌ يتمتّعون بقدرة العمل من خلال روح فريقٍ عاليةٍ والنقاش المستدير والشورى.
• حسّ المسؤوليّة: شبابٌ مع رغبةٍ عاليةٍ بالتطوّع وحسُّ مسؤوليّةٍ جمعيٌّ عالٍ.
هذه الطاقات في صفوف الشباب هي طاقات دفعٍ محرّكةٌ ومقدّمة المجتمع، فإذا كانت هيكليّة التأثير السياسيّ المعهودة بالنطاق المحلّيّ تعتمد حتّى اليوم على الحمائليّة، فما عاد بالإمكان تجاهل الأصوات المتعالية في صفوف الشباب لبدائل تحاكي رؤياهم المستقبليّة وآمالهم. يثبت الشباب رزانةً في خطابهم، ويظهرون اتّساعًا في آفاقهم وقدرةً على احتضان التنوّع، وبتقديري أنّهم يتمتّعون بمرونةٍ لازمةٍ لشقّ طريقهم دون الاصطدام بالقوى النمطيّة الفاعلة.
خلاصة الحديث أنّ المجتمع البدويّ يسير في خطًى رزينةٍ وثابتةٍ نحو 30% أكاديميّ في العقد القادم. إرهاصات هذا التحرّك الشبابيّ نحو 2030 ستكون واضحةً في العلاقة بين المواطنين في القرى البدويّة والسلطات المحلّيّة. ذلك الكمّ الهائل من الطاقات والقدرات المتصاعدة يضع أمام السلطات المحلّيّة تحدّياتٍ كبيرةً، ويحتاج رسم استراتيجيّاتٍ واضحةٍ تحاكي الشباب والمتغيّرات. إيجاد أماكن عملٍ، وتوسيع رقعة التأثير الشبابيّ في حلبات السياسة المحلّيّة، احتضان التنوّع الذي ينادي به الشباب، ستكون من الأمور المطروحة على الطاولة. الاحتمال الأرجح أنّ السلطات المحلّيّة لن تستطيع توفير إمكانيّات عملٍ للأغلبيّة الساحقة من شريحة الشباب الأكاديميّ في السنوات القادمة، إلّا إذا أعدّت خطّةً عبقريّةً مدروسةً. في الختام، بات مؤكّدًا أنّ السنوات المقبلة ستشهد تأثيرًا أكبر وأعمق للطاقات الشبابيّة في الساحة السياسيّة المحلّيّة، وبات جليًّا أنّ التغيير قادمٌ لا محالة.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: