حبّ الجاه والرّياسة لــ د موسى حجيرات

الجاه في اللّغة هو المنزلة والقدر. ويقال: فلان يتمتّع بالجاه وسط قومه، أي يتمتّع بمكانة وعلوّ همّة، كما يتمتّع بالشّرف والمنزلة الرّفيعة.
أمّا حبّ الجاه فهو حبّ مفطور عليه الإنسان. وهو وسيلة للوصول إلى مصالح شخصيّة ومآرب ذاتيّة، وهو امتلاك القلوب والعقول. وهو كحبّ الرّياسة وانتشار الصّيت والاشتهار.
والرّياسة، أو الرّئاسة، هي الصّدارة والزّعامة، فرأس فلان القوم أيّ تزعّمهم، وصار سيّدهم لشرف قدره، وعلوّ منزلته.
وحبّ الرّياسة داء لا دواء له. وللأسف أصاب العوام والخواص، وليس الحكّام فقط.
وبالإضافة لسلبيّاته الكثيرة فهو عبادة إن استغل كما يجب. فالرّياسة الحقّة هدفها تنفيذ أوامر الله عزّ وجلّ، واجتناب نواهيه، وإقامة الدّين، في المنزل، والمدرسة والبيت، وفي المؤسّسات التّربويّة والدّينيّة، وفي المناسبات العامّة والخاصّة، وفي السّلوكيّات والاخلاق الاجتماعيّة. وكذلك نصرة المظلوم وإغاثة الملهوف، وقمع أعداء الله. فإن كان هذا المقصد فتُطلب الرّياسة ولا حرج، وإنّ طلبها ممّن هم أهل لها فلا بأس، أيضًا.
فقد طلبها يوسف عليه السّلام: حين قال: “قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ”.
فقد طلب الرّياسة لأنّه عرف أنّ لديه المقدرة على إدارة شؤون الخزينة. فمدح نفسه بما هو فيه، فهو جدير بذلك لما اتّصف من صفات تمكّنه من القيام بذلك.

وهكذا يستفاد من ذلك أنّ الكفاءة شرط لطلب تولّي المنصب، وليس التّرضيات ولا المجاملة الحزبيّة، وليس الصّفقات التي تعقد وراء الكواليس. وبالفعل، لقد نجح يوسف عليه السّلام في ذلك، وأثبت نفسه. مع أنّ الكثيرين يعتقدون أنّه حتّى طلبه لحفظ الخزينة أخّره سنة كاملة.
ولكن للأسف فماذا ترون في رياسة اليوم: أليس أوّل ما يفكّر به من يترأس في هذا العصر هو نصرة أعداء الله، وتمكينهم من الاستيلاء على المناهج، وطرق التّربية، وطمس الهويّات والتّراث؟ والفالح بينهم من يبيع دينه وضميره ليرشي مسؤولًا ابتغاء تعبيد شارع، أو مدّ أنبوب صرف صحيّ أو ترميمه. فنحن في عصر مادّي أصبح حبّ الكراسي يجعل من النّاس أضحوكة ومهزلة.
إنّ حبّ الجاه، وانتشار الصّيت والاشتهار مذموم في القرآن وفي الأثر والأخبار، أيضًا. فقد قال الله تعالى: “تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسٰاداً وَالْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ”. وقال، أيضًا: “مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ”. وقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: “حبّ الجاه والمال ينبتان النّفاق في القلب كما ينبت الماء البقل. كما قال صلّى الله عليه وسلّم، أيضًا: ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر فسادًا من حبّ الجاه والمال.

ومن أخطار حبّ الجاه أنّ من غلب على قلبه حبّ الجاه وابتلي به يكون مقصورًا على مراعاة الخلق لكسب رضاهم. ويكون، أيضًا مشغوفًا بالتّودّد إليهم، والتّقرّب منهم؛ فقد ابتلى بالرّياء والسّمعة والنّفاق، والمداهنة، والتّساهل في الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، ونحو ذلك.
كما يصبح ملتفتًا إليهم في أقواله وأفعاله لتعظم منزلته عندهم.
فحبّ الجاه مأخوذ من الدّنيا الدّنيئة، وعلى المسلم المتّقي تفضيل الآخرة على الأولى، فقال تعالى: “بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى”. وقد قال، صلَّى الله عليه وسلَّم: “من لَبِس ثوب شُهرة ألبسَه الله يوم القيامة ثَوْب مَذَلَّة”. وقال إبراهيم ابن أدهم رحمه الله‏:‏ “ما صدق الله من أحبّ الشّهرة‏”.‏ وقال الثّوري‏:‏ “كانوا يكرهون الشّهرة من الثّياب الجيّدة، والثّياب الرّديئة إذ الأبصار تمتد إليهما جميعًا”.‏ فحبّ الجاه هو منشأ كل فساد‏،‏ ففيه فتنة على الضّعفاء دون الأقوياء. ‏
ومن مظاهر حبّ الجاه الظّاهرة حبّ المدح، والإطراء، وحبّ الخدمة، والإعانة، يعني يحبّ أن يخدمه النّاس ويعينونه، ولو بغير حاجة. وترك المنازعة الحاصلة حتّى وان كان محقًّا، حفاظًا على هيبته.
وكذلك التّعظيم، والتّوقير، والمفاتحة بالسلام، وتسلّم الصدر في المحافل والمناسبات، والتّقديم في جميع المقاصد.
فقد قال الشَّافعي رحمه الله: “آلات الرِّياسة خمس: صِدق اللَّهجة، وكتمان السِّرِّ، والوفاء بالعهد، وابتداء النَّصيحة، وأداء الأمَانَة”.
ومن مظاهر حب الرئاسة حبّ التّصدّر في كلّ الأمور؛ فتجد محبّ الرّياسة لا يعمل إلّا إذا صُدِّرَ (يعني: وضع في الصّدر، في مقدّمة القوم)، فإذا لم يوضع في الصّدر لم يقدّم شيئًا ولا حتّى رأيًا مفيدًا ينفع غيره، وذلك لكي يفشل ويستلم هو زمام الأمور.
قال بعض السّلف موضحًا مظاهر حبّ الرّئاسة: “ما أحبّ أحدٌ الرّياسة إلّا أحبّ ذكر النّاس بالنّقائص والعيوب، ليتميّز هو بالكمال”. فهو لا يحبّ أن يعرف النّاس من هو أفضل منه في الدّين، أو العمل، أو العلم والأخلاق، لكي لا ينفضّوا من حوله ويتركوه.
وكذلك الحسرة إذا زالت، أو أخذت منه الرّياسة، وجاء رئيس آخر لأنّه خطف منه الأضواء، وبهت نجمه بقدوم غيره.
ومن أسباب مرض حب الرئاسة التّحرر من سلطة الآخرين، فبعضم يريد أن يكون هو رئيسًا، لا يريد أحدًا فوقه. وتكون لديه الرّغبة في التّسلط على الآخرين، لأنّ النّفس قد جُبلت على التّسلط، والسّعي للتّحكم، والسّيطرة، والنّفوذ. وكذلك التّلذّذ بإصدار الأوامر، حتّى وإن كان فيها ظلمٌ وبغي. وعدم تقدير عواقب التّقصير في الآخرة، قال صلّى الله عليه وسلّم: “ما من رجلٍ يلي أمر عشرةٍ فما فوق ذلك، إلا أتى الله مغلولًا يده إلى عنقه، فكّه برّه، أو أوثقه إثمه”.
وهذه هي الرّياسة، أوّلها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها خزيٌ يوم القيامة.
أوّلها ملامة إذ تتوجّه إليه سهام الانتقادات، وأوسطها ندامة إذا نُحّي، أو أبعد عن منصبه، أو خُلع منه، وآخرها خزيٌ يوم القيامة بما يلقى الله، عزّ وجلّ، من التّقصير في الأداء، وعدم القيام بالمسئوليّة، وعدم أداء الأمانة، وحتّى الخيانة، والعياذ بالله.
ومن الآثارٌ المترتبةٌ عليها حبوط العمل وفقدان الإخلاص، لأن لهذا الإنسان غرض دنيوي يسعى إليه، وهدفٌ يطمح إلى تحقيقه، وهو أن يترأّس ويتزعّم؛ فيوالي ويعادي بناءً على هذه المصلحة الشّخصية، وقد يظلم، ويفتري، ويقترف من الآثام ما يقترف من أجل الوصول إلى هدفه، ويظلم العباد من أجل المحافظة على منصبه ومكانته.
وكذلك الحرمان من التوفيق، قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم لـعبد الرّحمن بن سمرّة : “يا عبد الرّحمن بن سمرّة ! لا تسأل الإمارة، فإنّك إن أوتيتها عن مسألةٍ أوكلْتَ إليها”. فلا معانة من الله، ولا من النّاس بسبب الحرص على الرّياسة والطّمع الشّخصي فيها. فالرئيس دائما بحاجة إلى النّاس فلذلك يزيّن الذّميم، ويقمع المخالف بأيّ وسيلة حتّى وإن كان فيها ظلمٌ كثير إذا لم يخش الله، ويمنع غيره من الأكفّاء من الوصول إلى مثل منصبه، ويعرقلهم، ويضع العوائق في طريقهم؛ فيتحوّل إلى إنسان في الخلقة شيطان في الأفعال. فما أحب الله عبدًاً إلّا أحبّ ألّا يُشعَر به، يعني يكتم أمره على النّاس”.
وليس عبثًا أن يُحرم الرّياسة والجاه من طلبه. إنّ في ذلك حكمة بالغة. فإن شعر أحدٌ أنّه يريد الرّياسة، ويريد أن يشار إليه بالبنان فليعلم أن الله يبتليه، ويزّين له الشّيطان الدّنيا الدّنيئة وهو يركض لاهثًا، وقد تملكه الهوى وهو لا يدري.
فإنّ في السّلف رؤساء وزعماء ما طلبوا الرّياسة ولا الأمارة، وما حشدوا المؤيّدين، والدّعايات، والدّولارات، وما أسمعوا الخطب العصماء، ولا تفنّنوا في الوعود، بل تواضعوا، وبكوا، واتقوا ربّهم، ومنه قد طلبوا المعانة فأعانهم؛ فيسطّر لهم التّاريخ صفحات لا تُنسى.
فهذا عروة بن الزّبير يقول: “رأيت عمر بن الخطّاب، رضي الله عنه، على عاتقه قربة ماء”. وعمر هو الفاروق خليفة المسلمين. وقد صلَّى بالمؤمنين عمر بن عبد العزيز الجمعة، وعليه قميص مرقوع الجيب مِن بين يديه ومِن خلفه. وكان أبو بكر يذهب إلى عجوز فقيرة فيكنس لها كوخها، وينظّفه، ويعدّ لها طعامها ويقضي حاجتها. وهو رفيق رسول الله، ثاني اثنين إذ هما في الغار.
فالنّصيحة لمن في قلبه حبّ الجاه والرّياسة أن ينتبه أنّ عليه التّفكر في أخطار حبّ الجاه على الدّين، فما خلق الله لبشر من قلبين في جوفه. إنّما هو قلب واحد، فمن يمتلئ قلبه بحبّ الجاه فما للدّين فيه مكان. وكذلك التّفكر في الآفات اللاحقة بأصحاب الجاه والرّياسة في الدّنيا، فلا يرضى عنهم كثير من النّاس، يشتمون ويسبّون ويسبّ آباءهم وأمهاتهم، ويغتابون في المجالس، ولا يذكرون بخير ولا صلاح؛ فيحسدهم النّاس، وأحيانًا يتعمّدون إيذاءهم، وأيضًا لا يرتاحون من النّاحية النّفسيّة، فيعيشون في قلق دائم بالانشغال بإرضاء الآخرين، وإرضاء ذواتهم، والخوف من عدم اعجاب النّاس بهم، ومن تغيّر منزلتهم.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: