March 20, 2019

إن لم تكن . فأنت. البروفسور محمد حجيرات

يحكى أن أبا سفيان، الصحابي الجليل (رضي الله عنه)، وقبل أن يعتنق الدين الجديد، الذي جاء به محمّد (ص)، كان يقود قافلة تجارية يصحبه أعيان من قبيلة قريش في عاصمة بلاد الروم. وخلال مكوثهم في الخان المجاور لقصر ملك الروم استدعي أعيان قريش؛ ليحضروا بين يدي القيصر. سألهم قيصر الروم عن زعيم وفدهم فأشار الجميع إلى أبي سفيان. نظر القيصر مطولًا إلى أبي سفيان، وعلامات التوتر تبدو جلية على وجهه، فسأله بصوت ناعم فيه غضب شديد: ” أخرج فيكم رجلًا يدّعي النبوة؟”. أجابه أبو سفيان بصوت جهوري مجبول بأنفة عربيّة: “نعم يا قيصر الزمان”. قال له القيصر، وهو يراقب من نافذة قصره سرب حمام يتمايل فوق بيوت عاصمته المزدهرة: “صفه لي أيّها العربيّ”. بدا أبو سفيان مزهوًّا بنفسه، وبدأ بوصف محمّد النبيّ العربيّ.
اقترب منه أحد أعيان قريش وقال له: ” يا أبا سفيان لقد وصفت محمدًا بأحسن الأوصاف!”.
فأجابه أبو سفيان، وعلامات الامتعاض بادية على وجهه: ” ويحك يا هذا، ورب الكعبة لم أصفه إلا بما هو أهله…..”
اقترب منه، في طريق عودتهم، الشخص الذي عاتبه قائلًا: ” يا أبا سفيان.. ما دمت تؤمن أن محمّدًا صادقًا وأمينًا وشخصًا يوثق به، فلماذا لا تتبعه؟…”
فأجاب صارخًا:”ثكلتك أمك يا هذا.. أما هذه فلا.. أيخرج من بني عبد الدار نبيٌّ، ولا يخرج من بني عبد مناف نبيٌّ…. إن لم تكن من بني عبد مناف فأنت كاذب، ولو كنت صادقًا…”
تطفو في المجتمع العربي، على السطح، أمور عدة يعجز علماء الرياضيات عن حل عقدتها، وعلماء النفس عن تحليلها وهي ظاهرة التناقضات… “إن لم تكن… فأنت…”
في انتخابات السلطات المحليّة، وقبل سنوات قرّر مواطن يهودي من مدينة الخضيرة الساحليّة أن ينقل مقر سكنه إلى مدينة طبريا؛ ليرشح نفسه لرئاسة بلديتها، وفعلًا هذا ما كان، فانتخبه أهل مدينة طبريا، وأصبح رئيسًا للمجلس البلديّ.
في الولايات المتحدة الأمريكيّة، مواطن من الأقليّة الأفريقيّة السوداء يقول “نعم أنا استطيع…” فتجيبه الجماهير: ” لك ذلك..”، ويصبح رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكيّة لدورتين كاملتين، وكأن هذه المجتمعات تتبع ظاهرة ” إذا كنت مناسبًا… فأنت المختار”.
في قرية عربيّة وادعة في شمال البلاد يجتمع أبناء عائلة “عمران”، لانتخاب مرشحهم لرئاسة السلطة المحليّة، فتتعالى أصوات النفاق والرياء للشخص القويّ في العائلة، ويتفق الجميع: ” أنت المختار… لأنّك ابن المختار”. عندها وقف شخص تظهر علامات الوقار والهدوء والسكينة على ملامحه، وقال بصوت ناعم مفعم بالثقة:” “علي عطيّة” هو الشخص المناسب لتولي منصب رئيس البلدية؛ فهو شخص صادق وأمين ووفيّ وإداري ممتاز، يعيش بين ظهرانينا منذ سنوات، وقد أدار عدة مؤسسات، وأثبت نجاحه، لماذا لا نرشحه، ليكون الرئيس”. عمّ الهدوء والسكينة المكان حتى أصبح ملموسًا تستطيع قطعه بسكين حادّة. عندها وقف منتصبًا محامي العائلة، والشرر يتطاير من عينيه الجاحظتين، وقال وابتسامة صفراء تعلو وجهه الثعلبي: ” إن لم تكن من أهل البلدة فأنت غريب، ولن يحكم بلدتنا غريب”.
تجد التناقضات في المجتمع العربيّ فقط. وهي ما زالت حيّة ومستلّة من عصور الظلمة. إن لم تكن مسيحيًّا فأنت لا تستطيع أن تكون مديرًا لهذه المدرسة، وإن لم تكن مسلمًا فأنت لا تستطيع أن تدير تلك المدرسة، وإن لم تكن درزيًّا فأنت لا تستطيع أن تمثل هذه المجموعة. أما إذا كنت امرأة فأنت لا تستطيعين أن ترشحي نفسك لرئاسة المجلس البلدي.
ما يحدث حاليًّا في المجتمع العربيّ هو فوضى مرتبّة في اختيار القيادات لتمثل الجماهير العربيّة في البرلمان. ومرّة أخرى تطفو على السطح ظاهرة التناقضات الغريبة….

إن لم تكن في الجبهة … فأنت لست وطنيًّا…
إن لم تكن في الحركة الإسلاميّة … فأنت لست مؤمنًا…
إن لم تكن في التجمع الوطني … فأنت لست قوميًّا…
إن لم تكن في العربيّة للتغيير …. فأنت لست عربيًّا …
وإن لم تصوت لحزب عربيّ…. فأنت خائن…

ظاهرة غريبة تهيمن على النقاش العام في المجتمع العربيّ، نبحث، دائمًا، عن التناقضات، ونهتم أن تطفو على السطح، وبعدها نبدأ بمهاجمتها، وكأنها من صنع غيرنا.
تبحث المجتمعات الغربيّة عن التناقضات داخلها؛ لتوظفها من أجل المصلحة العامَّة، وبناء مجتمع متنوع. انظر ماذا يحدث في حزب الجنرال “چانتس” تجمّعت كل تناقضات المجتمع الإسرائيلي، يمين-يسار، عسكري-مدني، متطرف-معتدل، اقتصاد رأسمالي-اقتصاد شعبي، … إلخ.
اجتمع خصوم الماضي ليكونوا شركاء المستقبل، ليرسموا معالم المرحلة القادمة للجماهير المتعطشة للتغيير في هذه البلاد.
نحن-المجتمعات العربية-نحارب بَعضُنَا ونحن أصدقاء…. وهم-المجتمعات الغربيّة- يساندون بعضهم وهم أعداء…
وأنا أخط الأسطر الأخيرة قفزت إلى ذهني حادثة محاصرة اليّمامة زمن الخليفة الصالح أبو بكر(رضي الله عنه)؛ إذ اجتمع زعماء بعض القبائل العربيّة لدعم “مسيلمة الكذّاب” ضد الدين الجديد، وهم يدركون أنه كذّاب. توجه، خلال الاجتماع، زعيم قبيلة إلى زميله الذي عُرف عنه صدقه ورجاحة عقله سائلًا:” لماذا تدعمه وأنت تعرف أنه كذّاب”. قال له وابتسامته الصفراء تزيّن وجهه القبيح:” كذّاب اليمامة ولا صادق مكّة”. ما أشبه اليوم بالبارحة!

1 Comment on إن لم تكن . فأنت. البروفسور محمد حجيرات

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: