February 22, 2019

التاريخ يكتبه المنتصر , كيف رأى المغلوبون الفتوحات الإسلامية؟

على مرّ عدة قرون، كانت راياتُ المُسلمين تُرى من تخومِ الصينِ إلى شواطئ الأندلس، في امتدادٍ مخيفٍ ابتلع بلا هوادة الرقعة الجغرافية للعالم القديم، والمثير أن الانطلاقة الجريئة للإسلام بدأت أولًا داخل شبه الجزيرة العربية بمحاربة أكبر قوّتين في وقتٍ واحد -الإمبراطورية الفارسية والرومانية-، وكان جيش المُسلمين -الأقل عددًا في كل مواجهة- مثيرًا للرعب لدى أعدائه، نظرًا لأنّ الجنود كانوا مدفوعين دومًا بالعاطفة الدينية لنشر الإسلام، و«مجذوبين» -وفق اعتقادهم- بضرورة تخليص المستضعفين في كافة البلاد المظلومة المضطهدة، بهدف استبدال عدالة الدين الجديد بظلام الأرض، وعلى هذا الأساس روّج المنتصِر على سبيل المثال أن الأقباط سلّموا مصر لعمرو بن العاص حين خلّصهم من ظُلم الرومان. وبين عاملي «الاندفاع والانجذاب» يتلخص مفهوم الجهاد في الإسلام، ويتضح أيضًا لماذا اختار المنتصِر لفظة «الفتوحات» تحديدًا دون غيرها بالأخص في كتابات المتأخرين.

وبعيدًا عن الخطاب التمجيدي، فالحقيقة التي أغفلها الرواة المسلمون هي أن للشعوب المغلوبة التي فقدت حضارتها وخسرت أراضيها رواية أخرى تسود بين قطاع من أبنائها، كان يرى الزحف الإسلامي عقابًا من الله ولعنةً من السماء على ذنوبهم السابقة، وتتجلّى الهزيمة النفسية للأمم التي لم تتقبّل الفتوحات ولم تدخل في الإسلام، في امتناعها عن مناداة المنتصر باسمه الجديد «المسلمون»، واحتفظوا بتلك الأسماء القديمة التي كانت تُطلق على العرب احتقارًا قبل أن يكون لهم شأن؛ فهم «الإسماعيليون» الذين «جاءوا من نسل إسماعيل؛ الابن الذي أنجبه نبي الله إبراهيم من المرأة الخادمة وليس الحُرة»، وهم أيضًا «السراسنة»، الذين جاءت قصتهم في التوراة على أنهم الأمة التي خرجت من سيناء وحُرمت من الوعد الإلهي. هذا التقرير يستمد مادته الأكبر من كتاب «الفتوحات العربية في روايات المغلوبين»، لكنه يحاول إعادة سرد الأحداث بعيدًا عن تحيّزات المنتصر، أو تحامل المهزوم.

«الشيطان يستعبد مصر».. هل وجد المسيحيون العدل تحت الحكم الإسلامي؟
قبل فتح مصر بـ20 عامًا، كانت جيوش الإمبراطور الفارسي كسرى الثاني في الشام تُطارد ما تبقى من الجيش البيزنطي الذي فرّ هاربًا بعدما أحرق أعداؤهم الوثنيّون كنيسة القيامة وسرقوا الصليب الخشبي، لكنّ المصيبة الدينية التي أفزعت أوروبا سرعان ما تعاظمت بعد سقوط مصر التي كانت حينها أغنى ولاية بيزنطية تخرج منها ثلث عائدات الإمبراطورية، لذا خاض الرومان حروبًا شرسة لاستعادتها بعد عقدٍ من الزمان، وحين عادت مصر لمسيحيّتها مرة أخرى، كانت تعيش انقسامًا مذهبيًا بين المذهب البيزنطي الحاكم -الخلقدوني-، وبين المذهب القطبي -الأرثوذكسي-، لذا حاول البيزنطيون فرض مذهبهم بالقوة، مما أدى لهروب بطريرك الكنيسة القبطية بنيامين الأول إلى الصحراء نحو 13 عامًا خوفًا من بطش الخلقدونيين، وفي تلك الأثناء، سقطت الشام في أيدي العرب، وما هي إلا عدة أشهر، حتى كانت خيول عمرو بن العاص تدخل مصر عام 640 ميلاديًا.

وادي النيل – مصر

تتفق الروايات الإسلامية والمسيحية في صحة الأخبار التي نقلها الرواة بأنّ جيش المُسلمين الضئيل -أربعة آلاف جندي- لاقى مساعدة كبيرة من القساوسة والرهبان الأقباط الذين ساعدوا المسلمين في طرد البيزنطيين، خاصةً بعدما أعطى عمرو بن العاص الأمان للأنبا بنيامين الهارب ومن معه.
لكنّ كل رواية تنظر للأحداث وفق منظورها، فمثلا ذكر يوحنّا النقيوسي، الذي تعتبر مخطوطاته الشاهد الوحيد على العصر: «قام المسلمون ذوي العرق الهمجي بمساعدة من المصريين الذين تركوا إيمانهم بالاستيلاء على كل أموال المسيحيين الهاربين»، كما أنه أشار إلى محاولات الكنيسة القبطية لتنصير القائد المُسلم في محاولة لإفشال الغزو العربي، وقد سرد أيضًا في شهادته أزمة الانقسام الكنسي الذي شهدته كنائس الشرق والغرب، وجميعهم اتهموا بطريرك الأقباط بتسليم مصر للمُسلمين انتقامًا من اضطهاد الخلقدونيين، والرواية المنسية في طيات الكُتب لا زالت تحتفظ إلى اليوم في مكاتب الكنائس بتفاصيل أعمال العنف والنهب التي قام بها الجيش العربي والتي لا يمكن التأكد من صحتها.

وقصة فتح مصر لا تمرّ إلا بالعودة إلى الجانب الخفي من رواية المغلوبين، فالأقباط منذ الشهور الأولى اعتقدوا أنّ عمرو بن العاص كان ينظر إلى بلادهم على أنها «البقرة الحلوب» شأنه شأن جميع الغزاة السابقين، ولم يأتِ ليخلّصهم من ظُلم الرومان كما يقول؛ ويتفق المؤرخ القبطي ساويرس بن المقفع، والمؤرخ المُسلم المقريزي على قصةٍ مفادها أنّ أحد كبار الأقباط ذهب إلى عمرو بن العاص ليسأله عن مقدار الجزية ليدفعها، فأجابه وهو يُشير إلى ركن كنيسة‏:‏ «لو أعطيتني من الركن إلى السقف ما أخبرتك، إنما أنتم خزانة لنا، إن كُثِّر علينا كثّرنا عليكم، وإن خُفف عنا خفّفنا عنكم»‏، وينسب ابن حزم والمقريزي أنّ ابن العاص حين حاول إقناع عمر بن الخطاب بفتح مصر أخبره: «إنك إن فتحتها كانت قوّةً للمسلمين وعونًا لهم، وهي أكثر الأرض أموالًا، وأعجزها عن القتال والحرب».

وبعدما استتب الأمر للمسلمين، توارت المسيحية عن الأنظار وانسحب رجال الدين إلى داخل الكنائس، وأصبح محظور عليهم أيّة محاولات للتنصير، في نفس الوقت الذي واجهوا فيه هجمات الدين الجديد الذي اختطف من صفوفهم عائلاتٍ ومدنًا بأكملها، لذا لجأ المغلوبون إلى أساليبٍ جديدة لدفع انتشار الإسلام عن صفوفهم، بدءًا بسرد القصص في مواعظ الأحد داخل الكنائس عن المُسلمين الذين تحوّلوا إلى المسيحية في الأقطار البعيدة وماتوا في سبيلها، نهايًة بتحريم التعامل مع المسلمين والانخراط في حياتهم. وبالرغم من أنّ السنوات الأولى شهدت تسامحًا دينيًا، إلا أنّ الفتوحات الإسلامية في أفريقيا التي انطلقت من مصر أثقلت المهزوم بدفع مزيد من الضرائب، وبعض الروايات تُشير إلى أنّ الحكام المُسلمين أجبروا الحرفيين النصارى على المشاركة في صنع السُفن التي وصلت لاحقًا إلى الأندلس.

على جانبٍ آخر، اختلفت معاملة الولاة المسلمين مع «أهل الذمة»، ففي عهد الخليفة الأموي معاوية بن أبي سُفيان تؤكد المصادر التاريخية لكلا الفريقين بأنّه كان عهدًا مثاليًا من التسامح الديني، لكن بوصول الخليفة الأموي الخامس عبد الملك بن مروان أمر باستبدال اللغة العربية بالقبطية في كافة شؤون الدولة واللافت أنّ الخليفة عمر بن عبد العزيز المُلقّب بسادس الخلفاء الراشدين كان مكروهًا لدى أقباط مصر بسبب طردهم من دواوين الإدارة، ومنعهم من أداء الشهادة أمام القضاء، كما أنّ أخاه الأكبر حاز على كراهية مماثلة بعدما فرض لأول مرةٍ الجزية على الرهبان، ويمتلئ كتاب «تاريخ الآباء البطاركة» بصفحاتٍ طويلة من الاضطهاد الديني الذي تعرض له المسيحيون على يد بعض الولاة العرب، ولا يمكن تحديدًا حصر الثورات التي خاضها المسيحيون بعدما أثقلهم الحُكام بالجبايات والضرائب، وتعتبر ثورة البشموريين في العهد العباسي ضد الخليفة المأمون عام 813 ميلاديًا أشهر ثورة للمسيحيين على الحُكم الإسلامي في مصر وجدير بالذكر أنّ كتاب التنبؤات للأنبا «صموئيل المعترف» تنبأ قبل فتح مصر بأن الأقباط سينسون لغة أسلافهم، وأن مصر التي تحتضن الكنيسة القبطية ستسقط في احتلالٍ أبدي، وهي الإشارة التي جعلت المهزوم يتقبّل الواقع الجديد.

«نكبة الصليب».. حين ضاعت القدس وفُقد أثر المسيح
كانت الأيام الأخيرة للحُكم البيزنطي في سوريا قاسية على أصحابها، يقول المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون مُتحدثًا عن هرقل عظيم الروم الذي أعاد لشعبه الصليب الخشبي، وصدّ اعتداء الفُرس عن العاصمة قسطنطينية ونقل الحرب إلى بلادهم: «اختفى البطل الحقيقي فيه بعدما استولى السراسنة على دمشق وأورشليم وأجنادين واليرموك.. وفي كاتدرائية أنطاكية وسط حضور الأساقفة جلس الإمبراطور عند قدميْ المصلوب، ثم انتحب بسبب الخطايا التي ارتكبها الملك والشعب».

مدينة القدس – فلسطين
يُضيف صاحب أهم كتاب عن تاريخ الإمبراطورية الرومانية: «لكن هرقل برّر هزيمته حين أعلن في اعترافه بأن مقاومة حُكم الله عمل عديم الجدوى، بل وربما يفتقر إلى التقوى»، في إشارة إلى أنّ الهزيمة كانت عقابًا من الله لهم ويذكر النص غير الإسلامي الذي وصف فتوحات الشام بأنها تزامنت مع موسم الحج المسيحي إلى كنيسة القيامة عام 636 ميلاديًا، لكنّ فرحة القساوسة لتوَافُق يوم الميلاد مع يوم الأحد لم تكتمل بعدما انقطع موسم الحج بسبب هجمات المُسلمين وقطعِهم الطريق، وفي العِظة التي ألقاها بطريرك أورشليم في كنيسة المهد قال لتلك الجموع الحزينة: «بسبب خطايانا التي لا تُحصى، وسلوكنا شديد الإثم كُنّا عاجزين عن الدخول إلى بيت لحم، ولم تُعقنا قوتنا الجسدية، بل أعاقنا الخوف من السراسنة»، وتتوالى عِظَات البطريرك بتفسير النّكبة التي تعرّضت لها الأراضي المقدسة بسبب قدوم أتباع «النبي الزائف» قائلا: «لكن هؤلاء الأشرار ما كانوا ليبلغوا هذه القوة لو لم نُهِن نحن الهِبة ونلوّث الطهارة، ونُحزن بذلك المسيح».

تُرجع النصوص الرومانية انتصار العرب في معارك الشام إلى عدّة عوامل: أبرزها عدم نظر الإمبراطورية بجديّة إلى الهجمات الإسلامية المُبكرة، إضافة إلى أنّ أكبر قوتين في العالم وقتها استخفوا بفكرة التنسيق العسكري الجاد بين الإمبراطوريّتين من أجل فقط القضاء على العرب، وهي المفاجأة التاريخية التي جعلت هرقل قبل معركة اليرموك يأمر بتجنيد كل رجل بالغ في الإمبراطورية، وتقول النصوص العربية: «فأقبل إليه من الجموع ما لا تحمِله الأرض»، وكان العدّاد العسكري للروم نحو 240 ألف مقاتلًا مقابل 36 ألفًا من المُسلمين على رأسهم أهم قيادة عسكرية موهوبة في تاريخ المُسلمين خالد بن الوليد، وانتهت المعركة بالتقدم السريع للمُسلمين في الشام ودخولهم القدس.

وبالرغم من أنّ الروايتيْن العربية والمسيحية تتفقان في لقاء عمر بن الخطاب لبطريرك أورشليم واستلام مفاتيح القدس في شهر رمضان عام 636 ميلاديًا ، إلا أنّ كل رواية أضفت طابعها الخاص على الحدث، فبينما تشير الروايات الإسلامية إلى زُهد الخليفة الذي دخل المدينة في ثوبٍ مُرقٌع وقدمين غارقتيْن في الوحل ووجه مُغبَّر من أثر السير، اعتبرت المصادر البيزنطية أن الهيئة التي دخل فيها الخليفة المُسلم تدل على الوحشية وصفة الحياة الهمجية التي اعتادها «السراسنة» والذين امتلكوا للتو المدينة التي صُلب المسيح فوق إحدى تلالها، كما أنّ عمر منعهم من دقّ أجراس الكنائس بصوت مرتفع، وحظر عليهم إظهار الصلبان والكتب في أسواق المُسلمين.

واللافت أنّ ما استقر عليه المهزوم في خطابه النهائي، أنّه وجّه اللوم للإمبراطور الروماني، لأنه لم يكن للدين دور حاسم في تعبئة مشاعر الجنود البيزنطيين مثلما حدث عندما استعدّوا سابقًا لحروبهم في الفرس من أجل استعادة الصليب الذي استولوا عليه، وهو ما يُفسر لاحقًا لماذا استخدمت الحملات الصليبية الخطاب الديني في هجماتها المضادة لاستعادة فلسطين.

بلاد فارس.. ثائرون على العرب حتى بعد إسلامهم
عاشت الحضارة الفارسية أكثر من ألفٍ ومئة عام، وفاقت في مجدها وقوّتها واتساعها الإمبراطورية البيزنطية، وبالرغم من فترات الانحسار والانهيار التي شهدتها بدءًا بحملات الإسكندر المقدوني عام 334 قبل الميلاد، إلا أنّ الفُرس استطاعوا بفضل نزعتهم القديمة للتفوق إخضاع كلّ من واجههم، وبلغت فارس قمّة مجدها عام 560 ميلاديًا بجلوس كسرى الثاني على العرش حين أعاد حدود مملكته القديمة وقاد جيوشه للاندفاع في آسيا الصغرى شرقًا وجنوبًا، ثم توجّه إلى الإمبراطورية الرومانية حتى وصل إلى أبواب قسطنطينيّة فكاد يُدخلها، وامتد مُلكه أيضًا ليسع الشام وما حولها وبيت المقدس وما فيه، حتى وصل إلى مصر ودخل الاسكندرية ظافرًا، ولم يُهزم في معركةٍ واحدة.

مسجد بمنطقة إصفهان – إيران
بينما كان العرب في الجاهلية أمّة مغلوبة مشتّتة لم يُعرف لها مجد أو حضارة، وكانوا كما جاء في وصفهم في المراجع الفارسية «أحفاد الخادمة، الحُفاة العراة الجهلة الذين يدفعون الضرائب لنا»، لكنّ المفارقة التاريخية أنّ الحرب الوحيدة التي خسرها كِسرى في حياته كانت على يد العرب الذين احتقرهم؛ ففي عام 604 ميلادًا حشدت قبيلة بني بكر القبائلَ العربية ضد الإمبراطور الفارسي الذي هلك جيشُه بالعطش في تلك الصحراء المقفرة في يوم «ذي قار»، ويعتبر المؤرخون المواجهة التي انتصر فيها العرب على «العجم» كان لها دورٌ كبيرٌ خلال الفتوحات التي قضت على الإمبراطورية فيما بعد.
تشير المراجع الإسلامية مثل الطبري وابن كثير إلى قوّة المواجهات التي دارت بين جيش المُسلمين في عهد عمر بن الخطاب وبين جيش الإمبراطور يزدجر الثالث الذي تولّى العرش بداية من معركة القادسية والأحواز ونهاوند نهاية بفتح خُراسان -شرق إيران-، لكنّ رواية المغلوبين سطّرت الجزء الهام في القصة، كتب ميخائيل السرياني: «اجتاح الطائيون بلاد الفرس وقتلوا الكثير من الرهبان في الأديرة التي كانت على جبل مردي لاعتقادهم أن الرُهبان جواسيس الفرس»، ثم ينقل بعضًا من مشاهد الحرب: «عبر العرب في إحدى المعارك نهر دجلة دون أن يخسروا جنديًا واحدًا، وهو الذي أثار الخوف نظرًا لشجاعتهم وقوتهم المفرطة لأنهم لم يكونوا من أهل البحر».

وحين وصل الإسلام إلى فارس اصطدم بالديانة الزرادشتية التي كانت تنظر إلى العرب المُسلمين على أنهم أنجاس لا يجوز اقترابهم، وكان رجال الدين الزرادشتيين يحذرون في العامة: «إن هؤلاء الشياطين مخادعون، ليس لهم دين ولا عهد»، وتسرد الشعوب المغلوبة كيف تعرّضت لصدمة كبرى بانهيار دولتها على يد من تعتبرهم أقل شأنا ورُقيًا، كما تشير الروايات إلى انقسام المجتمع الجديد بين أصحاب الدين القديم الذين صمدوا لقرون أمام الدين الجديد، وبين المُسلمين الجُدد الذين حافظوا على لغتهم القديمة ضد المدّ الثقافي، وفي الوقت الذي سعى فيه الكهنة الزرادشتيون للحفاظ على مكانتهم القديمة في ظل الحُكم الجديد، سعى الباقون إلى محاولة الجمع بين نبل السلالة العربية الحاكمة وبين نبل السلالة الساسانية، كما حدث في عهد الخلفاء الراشدين، حين تزوّجت بنت يزدجر الثاني من الحسين بن علي، فأنجبت زين العابدين، السليل الذي جمع بين أهل البيت النبوي وبين أحفاد الإمبراطور الفارسي.

والمهزوم الذي كان أكثر إقبالا على الإسلام ليعتلي مرتبة الشرف لم يُصبح فردًا في دولة الأمويين، مما جعله ينظر إلى الحُكم الإسلامي على أنه غير عادل، لذا استمر عداؤهم التاريخي مع العرب الذين نقلوا بعض أسس الإدارة والحُكم منهم، وحين خطّط العباسيون لإسقاط الدولة الأموية، كانت خُراسان هي الموقع الأفضل للدعوة، وكان الفرس هم عِماد ثورة العباسيين، وتتّفق المصادر الإسلامية في أن تلك الثورة التي أعقبتها بداية الحُكم العباسي كانت أشدّ الثورات تنظيمًا وفتكًا في التاريخ الإسلامي، وحين تولّى أبو مُسلم الخُراساني أوّل موقع قيادة، قاد حملة تطهير واسعة ضد العنصر العربي في بلاد فارس، فُقتل ما بين 600 ألف مُسلم في بعض الروايات، بينما الرواية الأشهر تؤكد بأنه قتل أكثر من مليون مسلم في معركة تطهير عرقي لم يشهدها الإسلام من قبل، وكأن المغلوب الذي أسقط العرب إمبراطوريته الغابرة، انتقم منهم بإسقاط أعظم دولهم التي سادت نحو قرن من الزمان.

وداعًا إسبانيا.. العقاب الإلهي يصل الأندلس

كانت شبه الجزيرة الأيبيرية -الأندلس- قطعةً تابعة لمملكة القوط الغربيين طيلة ثلاثة قرون بدءًا من القرن الخامس الميلادي بعد انفصالها عن الإمبراطورية الرومانية، ومثلما تعرض الأقباط في مصر لاضطهاد الرومان لأسباب دينية، تعرض السكان الذين أخضعهم القوط إلى الاستبداد والتعذيب، لذا فقصّة التعاون التي حصل عليها عمرو بن العاص في مصر، تكررت وإن كانت بالتأييد الذي قوبل به جيش طارق بن زياد حين دخل تلك البلاد لأول مرة، وأطلق عليها الأندلس عام 711 ميلاديًا.

Alhambra garden.

حديقة قصر الحمراء بغرناطة – إسبانيا

يحكي المؤرخ الإنجليزي «بيديه» إشارات السماء التي أنذرت بالكارثة من قَبل حتى أن تغزو جيوش المُسلمين إسبانيا وجنوب فرنسا، فالزمان الذي سبق الفتوحات سيطرت عليه النبوءة القديمة التي بثّها أحد القساوسة لبطريرك القسطنطينية حين تكررت ظاهرة اهتزاز الصُلبان في الكنائس أثناء الابتهالات، والتي كان تفسيرها حينها بالاقتراب الوشيك للعدو أو الشيطان الذي ستتوالى في زمانه الخطوب المؤلمة، وستتوقف فيه القداديس، وتسقط الإمبراطورية، وقد تحققت النبوءة بالفعل عام 1453 ميلاديًا -قبل 50 عامًا من سقوط الأندلس- في عهد السُلطان العُثماني محمد الفاتح، والذي جاء ذكره أيضًا في النصوص الإسلامية.

وفي تلك الحقبة التي توالت فيها فتوحات المُسلمين لم يبد المؤرخون الأوروبيون اهتمامًا بانتصارات أعدائهم، لذا واجه الباحثون في الأزمان المتعاقبة مشكلةً في المصادر، وبالرجوع إلى ما نقله الإخباريون يبدو الصمت مفهومًا عن تلك الفترة؛ فبينما كانت المسيحية في أوروبا تغرق في ظلامٍ دامس، كانت الحرية الدينية التي كفلها المسلمون للمسيحيين واليهود سببًا كبيرًا في ازدهار الأندلس، لكنّ الأمر كان مُزعجًا لبعض السكان الذين لم يتقبلوا فكرة الغزو، ورحلوا صوب فرنسا، مُفضلين ظلام الدول المسيحية على نهضة الأندلس.

شهدت البدايات انجذاب أعدادٍ كبيرة من المسيحيين إلى الإسلام، بعدما أصبح المسلمون الإسبان هم الأكثرية، إضافة إلى أنّ الذين حافظوا على مسيحيتهم تعلّموا اللغة العربية تأثّرًا بالنهضة العلمية التي نقلها المسلمون إلى أوروبا، ويعبّر أسقف قرطبة في إحدى مواعظه غاضبًا: «كثير من أبناء ديني يقرأون الشعر وقصص العرب وكتابات الفقهاء والفلاسفة المحمّديين، ليس لدحضها، بل ليتعلّموا كيف يعبرون بلغة عربية فصيحة»، ثم يتساءل: «أين نجد اليوم رجلا عاديًا يقرأ الكتاب المقدس باللاتينية؟»، وبالرغم من أنّ المسيحية في أوروبا تعترف بالنهضة التي جلبها المسلمون إليهم، لكنها ما زالت تؤمن بأنّ الفتح الإسلامي كان عقابًا من الله لهم.

رواية أخرى جاءت مُحمّلة بالعواطف والقوميات؛ فبعض المؤرخين الإسبان اعتبروا أنّ الوجود الإسلامي في الأندلس لمدة سبعة قرون تسبب في تأخر إسبانيا عن بقية الأمم الأوروبية بسبب انحطاط بعض ممالك المُسلمين في العصور المُتأخرة في عهد ملوك الطوائف، من خلال اقتتال الحكّام فيما بينهم ونشوب صراعات وحروب أنهكت دولتهم ثم قضت على حُلم إسبانيا في مجاراة جيرانها، لكنّ توجيه اللوم الأكبر كان للإمبراطورية البيزنطية باعتبارها راعية المسيحية في العالم، فبسبب إمبرطورها الذي زج الكنيسة والدولة في صراع بين أبناء الديانة الواحدة تسبب في انفصال كنائس الشرق والغرب، وكانت إحدى البدايات المدمرة التي يعتقد المهزوم أنها مكّنت المُسلمين من غزو العالم، وبهذا نسج المغلوب رواياته التي لم تصمد مع الزمن.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: