January 24, 2019

«الصاعقة» العثمانية على وشك اجتياح أوروبا

في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، ومطلع القرن الرابع عشر، ظهرت للنور تلك الدويلة الجديدة في غرب الأناضول الممزق بين حكومات محلية تكاد لا تحصى، والتي كانت بذرتها الإقطاعية الصغيرة التي منحها علاء  الدين كيقباد سلطان قونية -وسط الأناضول- للقائد التركي أرطغرل بن سليمان شاه، الذي نزح مع قبيلته التركية إلى الأناضول هربًا من التتار، ونصر علاء الدين في إحدى معاركه. لم يدُر بخلد أي من المعاصرين لهذا الحدث، حتى المؤسسين والفاعلين فيه، أن الأقدار تشكِّل أمام أنظارهم نواة واحدة من أضخم الإمبراطوريات في تاريخ العالم، والتي ستظل تلعب لأكثر من خمسة قرون أحد أدوار البطولة على المسرح العالمي، بالمدفع والسياسة.

المد الأحمر يندفع نحو أوروبا
لما توفي أرطغرل عام 1288م، برز ابنه عثمان إلى الواجهة، وهو الذي تنتسب إليه الدولة العثمانية، وأخذ على مدار 40 عامًا يوسع نطاق نفوذه تدريجيًّا، خاصة على حساب الإمبراطورية البيزنطية الآفلة، التي كانت تمر بطور ذبولها وانحلالها. تمكَّن عثمان من الاستيلاء على قلعة يني شهر شمال غرب الأناضول، لتصبح مملكته على مرمى حجر من الحواضر البيزنطية المهمة؛ مثل مدينتي بورصة، ونيقية، غير بعيد عن الجوهرة الكبرى: القسطنطينية.

خلف أورخان أباه عثمان عام 1324م، ليتمكن خلال عامين من الاستيلاء على مدينة بورصة بعد حصارٍ طويل، وجعلها عاصمة للدولة. ثم شرع بناءً على نصح مستشاريه في تأسيس جيش نظامي دائم، مطلق الولاء للدولة وحاكمها، من أسرى الحرب، والعبيد صغار السن، الذين يتم إخضاعهم لحياة عسكرية صارمة، وتربيتهم على مبادئ الإسلام، وطاعة السلطان، والفنون الحربية، وعرف هؤلاء بالجيش الجديد، أو بالتركية يني تشاري، التي حُرِّفت إلى الإنكشارية، والتي ظلت فرقها قرونًا واسطة عِقد الجيوش العثمانية، وقوتها الضاربة الرئيسية في كافة الجبهات.
يا بني أحِط من أطاعك بالإعزاز، وأنعم على الجنود، ولا يغرنك الشيطان بجندك وبمالك، وإياك أن تبتعد عن أهل الشريعة، يا بنى! لسنا من هؤلاء الذين يقيمون الحروب لشهوة حكم أو سيطرة أفراد، فنحن بالإسلام نحيا، وللإسلام نموت. *عثمان بن أرطغرل على فراش الموت في وصيته لابنه أورخان نجح أورخان في ضم المزيد من مناطق الأناضول لدولته الفتية، ونجح كذلك في انتزاع مدينة نيقية آخر معاقل البيزنطيين الكبرى في آسيا. وفي عام 1357م، عبرت الجيوش العثمانية مضيق الدردنيل، لتطأ أقدامها لأول مرة الأراضي الأوروبية، وتدشّن عهدّا استمر قرونًا من الغزوات العثمانية الضارية في أوروبا. توفي أورخان عام 1360م، ليتربّع على العرش من بعده ابنه مراد الأول.

عام 1361م استولى العثمانيون على مدينة أدرنة القريبة من الشطر الأوروبي للقسطنطينية، ثم اتخذوها عاصمةً لهم، وتوسعوا في الاستيلاء على جوارها من القرى والقلاع، حتى عُزلَت القسطنطينية تمامًا عن باقي أوروبا المسيحية، وغدت جيبًا مُحاصَرًا وسط الأمواج العثمانية، وأصبحت الدولة المسلمة على جبهة صدام مباشر مع العديد من الدويلات المسيحية في جنوب شرق أوروبا، في أراضي شبه جزيرة البلقان وبلغاريا واليونان الحالية، والتي راسل بعضها كرسي الباباوية في روما؛ ليحشد القوى الأوروبية المسيحية في حملات صليبية ضد الخطر الإسلامي الجديد.

في أولى معاركهم الكبرى المظفَّرة في أوروبا، نجح العثمانيون عام 1363م في هزيمة تحالف من أمراء الصرب والبلقان حاول الهجوم على أدرنة. عام 1371م، أنزل العثمانيون بالجيش الصربي هزيمة ساحقة على ضفاف نهر ماريتزا، فتعزّّز الوجود العثماني في البلقان، ليضم مقدونيا وأجزاءً من صربيا الجنوبية؛ مما دفع العديد من الممالك والدويلات المحيطة لدفع الجزية لبلاط أدرنة، وإعلان الخضوع. عام 1383م، سقطت مدينة صوفيا -عاصمة بلغاريا حاليًا- في قبضة العثمانيين، ثم سالونيك اليونانية. واستمر المد الأحمر المزيَّن بالهلال وبالنجمة اندفاعًا في أوروبا.

بايزيد الأول.. ابن «شهيد كوسوفو» على العرش
ويكأن العثمانيين اعتبروا القسطنطينية مسألة وقت لا أكثر، فالتفوا حولها، وشمَّروا أذرعهم تجاه الأمم الأوروبية. كان وضع العاصمة الجديدة أدرنة في الشطر الأوروبي، خطوة جامحة في تأكيد مدى أولوية التوغل في أوروبا بين أهداف العثمانيين. مع مرور الأعوام، رسخت القدم العثمانية أكثر فأكثر في أراضي البلقان وجوارها من جنوبي شرق أوروبا، وفي المقابل، ازدادت رغبة الأمم الأوروبية المحيطة في وضع حد للمد العثماني، خاصة الصرب.
في صيف عام 1389م، حشد الملك الصربي لازار كامل قوته العسكرية، واندفع لمواجهة الجيوش العثمانية المتوغلة على حدود إقليم كوسوفو الصربي آنذاك. اختنقت السماء حول الفرسان الصرب المندفعين بآلاف السهام العثمانية التي ملأت الجو، وتمكنت الصفوف العثمانية من امتصاص صدمة الهجوم الصربي الأول، ثم ردت بهجوم مضاد كاسح أسفر عن مصرع سالازار، وجل فرسانه، ليحقق العثمانيون انتصارًا بارزًا وضع «موقعة كوسوفو» في مصاف أهم المواقع الحربية في تاريخ أوروبا الوسيط.

مسجد السليمية في أدرنة، العاصمة الثانية للدولة العثمانية- المصدر «ويكييبديا»
بعد المعركة، نجح أحد الجرحى الصرب في تعكير الانتصار العثماني بطعنة سكين غادرة، أودعها في صدر السلطان مراد الأول الذي كان يتفقد ساحة المعركة، ويطالع مشهد آلاف الجثث المبعثرة في أرجائها، ليموت مراد الأول متأثرًا بجراحه بعد قليل، ويرتقي العرش بعده ابنه بايزيد الأول، الذي اشتهر تاريخيًّا بلقب «الصاعقة»، لسرعة وثباته الخاطفة على أعدائه ما بين أقصى شرق وغرب دولته.

في بداية عهده، أراد بايزيد تهدئة الأمور قليلًا في الجبهة الأوروبية المشتعلة، فثبَّت ستيفن ابن الملك الصربي المقتول في كوسوفو سالازار أميرًا على بلاده، مقابل إعلان الخضوع، ودفع الجزية للخزانة العثمانية، كذلك تزوَّج أخته الأميرة أوليفيرا. واستغلالًا للسلام المؤقت في أوروبا، تفرَّغ بايزيد لقمع بعض التمردات المحلية في الأناضول، وضم المزيد من المدن والقرى إلى سيطرته هناك، وكذلك أولى عناية فائقةً لانتزاع ما بقي من الأملاك البيزنطية في آسيا، حتى تقلَّصت مساحة الإمبراطورية البيزنطية إلى القسطنطينية وجوارها القريب، وبعض الجيوب المعزولة المتناثرة في البلقان. وأصبحت القسطنطينية واقعة تحت ما يشبه الحصار الدائم.

رسم زيتي للسلطان العثماني بايزيد الصاعقة- المصدر: ويكيبيديا
عام 1394م، بعد إخضاع معظم الأناضول للحكم العثماني، عادت صواعق بايزيد إلى شرق أوروبا مجددًا، فتوغلت جيوشه في أراضي بلغاريا الحالية، ودارت صدامات عديدة مع أمير منطقة الفلاخ (في رومانيا الحالية). شعر سيجسموند إمبراطور المجر بالخطر الشديد لاقتراب الغزوات العثمانية إلى مرمى حجر من قلب مملكته، فأرسل إلى كافة أنحاء أوروبا، وإلى روما، يدعو إلى شن حملة صليبية كبرى تسحق الوجود العثماني في أوروبا، وتدفعه دفعًا إلى هضبة الأناضول. في ذلك الوقت كانت روما تمر بمرحلة انشقاق عاصفة في تاريخ البابوية، إذ كان يتنازع على الكرسي الباباوي اثنان من البابوات، إلا أن كليهما أيَّد الدعوة إلى الحملة الصليبية الكبرى.

استجابةً للصريخ المجري، توافد إلى المجر آلاف الفرسان خاصة من فرنسا، وإقليم برغندي، وكذلك من إنجلترا، والمناطق الألمانية، وفرسان القديس يوحنا في جزيرة مالطة، ومملكة أراجون شمال شرقي إسبانيا المسيحية، ومدينتيْ جنوه والبندقية الإيطاليتين، ومتطوعون من مناطق أوروبية أخرى، وحشد سيجسموند ما استطاع إليه سبيلًا من القوة الضاربة لمملكته. عام 1396م، تحركت جيوش التحالف باتجاه الجنوب الشرقي نحو المناطق العثمانية في أوروبا.
في طريق الجيوش الغازية كان هناك بعض الدويلات الصغيرة في أراضي بلغاريا وسواها، من التي تدين بالولاء للدولة العثمانية، وتحتوي بعض الحاميات العثمانية الصغيرة. انقلب ولاء أكثر حكام تلك الدويلات، واستسلم غالبيّتها للحملة القادمة، وفتكوا بالحاميات العثمانية المتناثرة في بلادهم. كذلك لم تسلم بعض القرى والمدن المستسلمة من بطش المهاجمين المتعصبين، والذي أمعنوا فيها سلبًا ونهبًا؛ عقابًا لهم على خضوعهم سابقًا للمسلمين. كذلك كانوا يقتلون خصوصًا من يقع في أيديهم من الأسرى.

نيكوبوليس.. الإعصار العثماني يعصف بأوروبا
توجَّه الجيش الصليبي لحصار حصن نيكوبوليس المنيع على ضفاف نهر الدانوب، والذي يقع في أراضي دولة بلغاريا الحالية. لأسابيع، تمكَّنت الحامية العثمانية من الدفاع عن الحصن الذي تم ترميمه، وزيادة استحكاماته الدفاعية مؤخررًا، رغم الموجات المتوالية من الهجمات على الحصن، مستفيدة من العشوائية والتخبط التي كانت تدار بهما القرارات الحربية في المعسكر الصليبي، وكذلك النزاعات المستمرة بين قادته على الصدارة رغم القيادة الظاهرية للملك سيجسموند.
تأكيدًا للقبه المستحق «الصاعقة»، فوجئ الصليبيون بالجيوش العثمانية يقودها السلطان بايزيد بنفسه تلوح في الأفق قرب نيكوبوليس. كان بايزيد منشغلًا بحصار القسطنطينية، فلما بلغته أنباء الغزو ، رفع الحصار فورًا، واندفع بكل ما تحت يديه من قواتٍ نحو الحصن المحاصر، الذي يمثل بوابة النفاذ إلى أعماق مناطق السيطرة العثمانية بأوروبا.

ساد الاضطراب في صفوف الصليبيين الذين كانوا يتوقون لإتمام اقتحام الحصن قبل وصول النجدة العثمانية، وشعروا أنهم أصبحوا واقعين بين فكي كماشة، حامية نيكوبوليس العثمانية من خلفهم، وجيش بايزيد من أمامهم، وفشلت محاولات الصليبيين في ترتيب خطة موحدة للمواجهة، ولم يستمع الفرسان الصليبيون لأكثر نصائح سيجسموند المتمرس في حرب العثمانيين وتكتيكاتهم منذ دهر.

في 25 سبتمبر (أيلول) عام 1396، دارت رحى الموقعة الطاحنة قرب أسوار نيكوبوليس. اندفع الفرسان الفرنسيون الجامحون نحو الصفوف العثمانية، محاولين زعزعتها برماحهم الصارمة، وهجومهم المنحدر كالسيل. رغم الخسائر العثمانية الأولية، نجح بايزيد في السيطرة على معظم قوام جيشه، وبدأ يناور بقواته للإيقاع بالمهاجمين، ثم ألقى باحتياطاته الكبيرة في أتون المعركة، واستعاد التوازن سريعًا. كان يحارب إلى جانب العثمانيين في تلك المعركة، قوات صربية تابعة لحليف بايزيد وصهره، ستيفن بن لازار، ملك صربيا.
تمكن الهجوم المضاد العثماني من عزل القوات الفرنسية المندفعة، بعد استغلال اندفاع فرسانها نحو الخطوط العثمانية، وإيقاعها في كمين محكم تحت سفح تلال سيطر على مرتفعاتها الرماة العثمانيون، ووضعوا أسفلها العديد من العوائق لتبطئ اندفاع الفرسان. ملأ الرماة العثمانيون الأرض والهواء حول الفرنسيين بسهامهم النافذة، فسقط الكثير من هؤلاء الفرسان، وأفراسهم بين قتيل وجريح. رغم ذلك استمر المهاجمون في التوغل، واحتلال التلال التي كان الرماة يرسلون صلياتهم من فوقها. ظن الفرسان الصليبيون أن الانتصار على مرمى حجر، فاندفعوا أكثر وأكثر؛ وهنا قامت القوة العثمانية الرئيسية من فرسان السيباهي وسواهم بالالتفاف خلف الفرسان الصليبيين، فاستحرَّ القتل في هؤلاء المحصورين.

حاول سيجسموند الاندفاع بقواته، وكان عمادها الفرسان والمشاة المدرعين، لنجدة الفرسان المحاصرين، لكن فرسان السيباهي العثمانيين خفاف الحركة المتمركزين في جناحيْ الجيش العثماني، نجحوا في الاندفاع في حركة تطويق شاملة للقوة الرئيسية لجيش العدو، وأصبحت القوات محصارة بالكامل في منطقة موت محكمة. رغم الخسائر النسبية التي تكبَّدها العثمانيون، تحولَّت المعركة عند هذه المرحلة إلى مذبحة مفتوحة للصليبيين.

لم يجد سيجسموند مفرًا من الهرب مع ثلة من فرسانه بعد أن كسروا الحصار بصعوبة شديدة، في حين سقط الكونت دي نيفر البرغندي قائد حلفائه الصليبيين أسيرًا لدى العثمانيين بعد أن قُتِل معظم قواته. ثم اندفع الفرسان العثمانيون لمطاردة فلول المجريين إلى مسافات بعيدة عن نيكوبوليس.
تتضارب المصادر في أرقام خسائر الطرفين، لتضاربها أساسًا في تقدير أعداد الجيشين. لكن لا خلاف على أن خسائر الطرفين كانت كبيرة، إلا أن القوات الصليبية فقدت معظم جنودها وفرسانها بين قتيل وأسير. أمر بايزيد بقتل الآلاف من الأسرى في سابقة كانت الأولى في تاريخ العثمانيين، انتقامًا من قتل الأسرى المسلمين سابقًا على أيديهم، واسترقَّ آلافًا أُخَر. بينما قبل من الكونت دي نيفر فديةً مالية كبيرة مقابل إطلاق سراحه، بعد أن حلَّفه بأغلظ الأيمان ألا يعود إلى حربه ثانيةً.

كانت موقعة نيكوبوليس إيذانًا بتثبيت أقدام العثمانيين في بلغاريا والبلقان لأكثر من خمسة قرون، كما عزَّزت من سمعة الجيش العثماني في أوروبا، قوة لا تقهر، تلك السمعة التي حافظ العثمانيون عليها لأكثر من قرنين تاليين على الأقل. بعد نيكوبوليس، كان الطريق ممهَّدًا أمام بايزيد الأول لاقتحام مملكة المجر والنفاذ إلى وسط أوروبا في السنوات التالية، لولا أن دهم طموحات العثمانيين حادثٌ جلل من أقصى الشرق، أخرج دولتهم الفتية من مسرح الأحداث لعشرات السنين، وكاد يخرجها مطلقًا من كتاب التاريخ.

كان ذلك الحدث هو غزو القائد التتري الشرس تيمورلنك الدموي للأناضول عام 1401- 1402م، والذي كان يحكم إمبراطورية شاسعة في وسط آسيا وغربها والشام والعراق. نجح تيمورلنك في إيقاع هزيمة ساحقة ببايزيد العثماني في موقعة أنقرة عام 1402م، وأسره أسرًا مذلًّا، ليموت في أسره كمدًا، ولتتمزق الدولة العثمانية عقودًا قبل أن يوحّدها السلطان محمد جلبي، ثم يعيدها بعده مراد الثاني إلى ساحة الحرب الأوروبية، ثم يظهر بعد سنوات على مسرح الأحداث محمد الثاني بن مراد الثاني، صاحب فتح القسطنطينية الشهير عام 1453م.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: