December 18, 2018

كيف شق “قُطز” طريقه لمعركة عين جالوت؟

سقطت الشام تحت الجحافل المغولية كما سقطت العراق، لقد بدأ هذا السقوط منذ عام 657هـ، قبل معركة “عين جالوت” بعام واحد، على أن هذا السقوط كان استمرارًا لمسلسل التردي  والانهزام مذ خرج هؤلاء المغول يفتكون بالمشرق الإسلامي وبالدولة الخوارزمية منذ سنة 617هـ.

الشام أسيرة المغول!
أربعون عاما يعثيون في الأرض فسادًا، قتلوا فيها عشرات الآلاف من البشر، ودمروا مئات إن لم تكن آلاف المدن والقرى التي استصغر المؤرخ الموصلي ابن الأثير أمام جرائم المغول فيها ما فعله الملك العراقي بخت نصّر في بني إسرائيل قديمًا؛ فقال: “وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء (التتار) الملاعن من البلاد، التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس، وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قتلوا، فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل”[1].

كان من خبث المغول أنهم قبلوا أن ينضوي تحت أمرهم بعض خونة الأيوبيين ممن باعوا دينهم وبلادهم خدمة للمحتل المغولي؛ بل قدّموا بعضهم ليكونوا أعوانًا لهم في إدارة شؤون بلاد الشام، وكان من جملة هؤلاء الملك الأشرف موسى بن إبراهيم الأيوبي صاحب حمص الذي يعود نسبه إلى أسد الدين شيركوه عم صلاح الدين الأيوبي؛ الذي سلّم حمص للمغول، ولجأ إلى هولاكو يعلن الولاء له ولدولته الجديدة؛ لذا عيّنه هولاكو نائبًا له على دمشق والشام، وأعطاه فرمانًا بذلك، وجاء الأشرف بهذا المرسوم إلى نائب هولاكو العسكري كتبغا الذي أرسل بدوره إلى “النوّاب بدمشق بأن يتفقوا معه على مصالح المملكة، فصار الدواوين والنواب يترددون إليه في بعض الأوقات ويشاوروه في الأمور المهمة”[2].

صار الملك السعيد هذا من أقرب الأمراء الأيوبيين إلى المغول، فقد صار ولاؤه التام لهم؛ حتى صار أحد أهم العناصر التي وقفت أمام المماليك في معركة عين جالوت!

واستفاد المغول أيضًا من خدمات الأمير السعيد حسن بن العزيز عثمان بن العادل بن أيوب، الذي كان الناصر الأيوبي قد سجنه منذ مدة طويلة في سجن إلبيرة على نهر الفرات، فأفرجوا عنه وأعادوه إلى مُلكه القديم في بانياس بالقرب من دمشق وقلعتها الصُّبيبة، “وجميع البلاد التي كانت له ولايته بالشام”[3]، وصار الملك السعيد هذا من أقرب الأمراء الأيوبيين إلى المغول، فقد صار ولاؤه التام لهم؛ حتى صار أحد أهم العناصر التي وقفت أمام المماليك في معركة عين جالوت!

وبعد أن قبض المغول على الملك الناصر في رجب سنة 658هـ، اختار هولاكو أن يُحسن إلى الملك الناصر الثاني أكبر ملوك الأيوبيين في الشام؛ فرأى “أن أمير دمشق أنفع له وللسياسة التي يريد اتباعها مع المسلمين من أمير حمص الشام الأشرف موسى، ولهذا لقيه لقاءً طيبًا، ووعده بإحياء الإمبراطورية الأيوبية الممتدة من أطراف الشام إلى النوبة، ومن برقة إلى الفرات، كما وعده بأنه سوف يجعل له السيادة الفعلية في تلك البلاد كلها بما في ذلك مصر، بشرط أن يعترف بسلطان المغول وسيادة الخان الأكبر. وهنا تتضح لنا حقيقة لها أهميتها فيما يتعلق بسلامة دولة المماليك في مصر؛ ألا وهي تواطؤ ملك من ملوك الأيوبيين مع المغول في القضاء على الدولة المملوكية الناشئة، وهذه الحقيقة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن قيام دولة المماليك ظل ناقصًا ما دامت تلك الأخطار ماثلة”[4].

كان المغول قد استولوا على كامل بلاد الشام وفلسطين من الفرات إلى حلب إلى الكرك والشوبك إلى نابلس وحتى غزة على الحدود المصرية، وتتميمًا لخطة هولاكو، فقد أرسل إلى سلطان مصر قطز رسالة جاء فيها: “إن الله تعالى قد رفع شأن جنكيز خان وأسرته، ومنحنا ممالك الأرض برمتها، وكل من يتمرّد علينا، ويعصي أمرنا، يُقضى عليه مع نسائه وأبنائه وأقاربه والمتصلين به وبلاده ورعاياه، كما بلغ ذلك أسماع الجميع، أما صيت جيشنا الذي لا حصر له؛ فقد بلغ الشهرة كقصة رستم واسفنديار. فإذا كُنت مُطيعًا كخدم حضرتنا فأرسل إلينا الجزية، وأقدم بنفسك، واطلب الشّحنة[5]، وإلا فكن مُستعدًا للقتال”[6].
استدعى قطز بعد هذه الرسالة -التي يُبرق فيها ويُرعد- كبار الأمراء، وعقد مجلس المشورة مستطلعًا رأيهم؛ فقال أحد الأمراء القيمرية الكُردية الذين جاؤوا من الشام إلى مصر وانضموا للقوات المملوكية؛ وهو الأمير ناصر الدين قيمُري: إن هولاكو خائن، وإن عددًا من الملوك والأمراء بل الخليفة العباسي المستعصم سلّموا إليه بلادهم بالأمان فانقلب عليهم وقتلهم؛ فهو “لا يفي بعهده وميثاقه… فإذا ما سرنا إليه، فسيكون مصيرنا هذا السبيل”[7].

كان من المهم أن يُدلي ركن الدين بيبرس برأيه في تلك المشورة، وهي التي تُعقد أمامه للمرة الثانية حول قتال المغول، فأما الأولى فقد كانت في الشام، ورأى فيها الخور والجبن والعجز عند الملك الناصر يوسف الثاني الأيوبي وكبار قادة جيشه ووزيره؛ حتى هجم على الوزير الخائن زين الدين الحافظي وضربه غضبًا منهم، أما هذه المشورة فرأي المظفّر قطز فيها قريبٌ إلى بيبرس؛ لقد اختلى قطز بركن الدين بيبرس وهو كبير الأمراء البحرية؛ بل من أكبر قادة الجيش بعد الأتابك أقطاي المستعرب، وسأله عن رأيه، فأجاب بيبرس: “إني أرى أن نقتل الرُّسل، ونقصد كيتوبوقا[8] مُتضامنين، فإن انتصرنا أو هُزمنا فسوف نكون في كلتا الحالتين معذورين”[9].

كانت القيادة العليا للجيش ممثلة في السلطان وكبير الأمراء البحرية وربما أتابك العسكر متوافقة على لقاء المغول وقتالهم، يوافقهم في ذلك عدد ضئيل من الأمراء والقيادات العسكرية الأخرى، لكن معظم الأمراء الآخرين عبّروا عن رفضهم للقاء المغول وهم الذين انتصروا في كل المعارك التي خاضوها مذ خرجوا من منغوليا حتى وصلوا إلى الحدود المصرية في غزة!

على كل حال، أمر قطز بقتل الرسل الأربعة الذين أرسلهم المغول امتثالاً لنصيحة بيبرس، وقطع رؤوسهم وعلّقها في أشهر مناطق القاهرة وقتها في كل من الريدانية (العباسية الآن) و باب النصر في شمال القاهرة، وباب زويلة في جنوبها، وفي سوق الخيل أحد أهم الأسواق أسفل قلعة الجبل؛ ليراها كافة الناس فترتفع معنوياتهم، وتنهض هممهم للقاء العدو، وفي 15 شعبان سنة 658هـ “تقدم الْملك المظفر لسَائِر الْوُلَاة بإزعاج الأجناد فِي الْخُرُوج للسَّفر، وَمن وجد مِنْهُم قد اختفى يُضْرب بالمقارع. وَسَار حَتَّى نزل بالصالحية، وتكاملَ عِنْده الْعَسْكَر”[10]

في ظل هذا التردد وكراهية الخروج من أغلب قيادات الجيش، عسكرَ السلطان قُطز في الصالحية في شمال شرقي القاهرة مؤقتًا، وعزم على مواجهة هؤلاء الأمراء المترددين؛ ليضع حدًا لهذا التخبط الذي قد يأتي بنتائج وخيمة في أرض المعركة؛ “فطلب الأمراء، وتكلم معهم في الرحيل، فأبوا كلهم عليه وامتنعوا من الرحيل. فقال لهم: يا أمراء المسلمين لكم زمان تأكلون أموال بيت المال وأنتم للغزاة كارهون، وأنا متوجّهٌ فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته؛ فإن الله مطّلعٌ عليه، وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخِّرين. فتكلم الأمراء الَّذين تخيّرهم، وحلّفهم في موافقته على المسير، فلم يسع البقيَّة إلَّا الموافقة وانفض الجمع. فلمَّا كان في اللَّيل ركب السُّلطان وحرّك كوساته[11] وقال: أنا ألقى التتار بنفسي. فلمَّا رأى الأمراء مسير السُّلطان ساروا على كُرْهٍ”[12]

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: