October 18, 2018

غريب في بلدي

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ).
من معاني الحديث وهي كثيرة «أَنَّ الإِسْلام بَدَأَ فِي آحَاد مِنْ النَّاس وَقِلَّة، ثُمَّ اِنْتَشَرَ وَظَهَرَ، ثُمَّ سَيَلْحَقُهُ النَّقْصُ وَالإِخْلال، حَتَّى لا يَبْقَى إِلا فِي آحَادٍ وَقِلَّةٍ أَيْضًا كَمَا بَدَأَ».


معين سواعد | zofa01@gmail.com

وفي حديث عبد الله بن عمرو قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم ونحن عنده: «طوبى للغرباء»، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: «ناس صالحون قليل في ناس كثير، من يعصيهم أكثر ممّن يطيعهم».
إنّ ما دعاني أنْ أطرُقَ هذا الموضوع الذي قد لا يروق للبعض، أنّ البعض الآخر يعيش في غربة تمامًا كما أعيش، نحن وإن كنّا نعيش في بيوتنا وأرضنا ووطننا، إلا أننا نشعر بغربة، وغربة قاسية، وليست الغربة هجر الأوطان والبعد عن الأهل والخلان، إنما الغربة انحسار الحق وغياب الفضيلة وموت ضمير الإنسان.
قد تكون في بيتك وتكون غريبًا، وقد تكون في حيّك وتكون غريبًا، وتكون في قريتك غريبًا كذلك، فكما أشار النبي -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- في تعرفيه للغرباء: «ناس صالحون قليل في ناس كثير، من يعصيهم أكثر ممّن يطيعهم»، فلو نظرتَ حولك نظرة الفاحص الباحث عن هؤلاء الذين ينشرون الفضيلة بين الناس، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لوجدتهم قلائل، وإن وُجدوا فأين من يطيعهم، إنك لا تجد من يطيعهم بل تجد من يستهزئ بهم ويهينهم.
عالم انقلبت موازينه وتبدّلت مبادئه، لبسنا فيه ثوبًا غير ثوبنا، وأصبحنا نقلّد غيرنا، حتى فقدنا معالمنا ومبادئنا «لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه».
يؤسفني أن أرى بأمّ عيني شابًا في مقتبل العمر، لا يحترم أباه ولا يعيره أدنى اهتمام، لا بل قد تجده يرفع صوته إن لم يرفع يده على أبيه، ترى الفتاة تفعل ما يروق لها دون الاهتمام لقِيَم وعادات وتقاليد، ترى الرجل التافه الإمِّعَةَ يتحدّث باسم العامّة ويؤخذ برأيه، بينما الرجل الرّشيد الحكيم يُضرب بحِكمَتِهِ عَرض الحائط.
نعم نحن في غربة، ليس لأنّنا ابتعدنا عن أرضنا وعن وطننا، ولكن لأنّنا فقدنا الصّدق والأمانة وكلّ القيم الإنسانيّة الرّاقية وحلّ محلّها الظلم والفساد والجشع…

أنت غريب في وطنك؛ لأنّك مهدَّد بالقتل في كل لحظة، فقد تُقتل لعدم إعطائك حقّ الأولويّة، وقد تُقتل لأنّك لم تعطِ القاتل سيجارة، وقد تُقتل لأنّك قلتَ كلمة حقٍّ أمام سلطان جائر، أو أمام طاغية جبّار ، قد تُقتل لأنّك مسكين ولا أنيابَ لك أو مخالب، فأنت غريب!
أنت غريب في وطنك؛ لأنّك مهدَّد بالقتل في كل لحظة، فقد تُقتل لعدم إعطائك حقّ الأولويّة، وقد تُقتل لأنّك لم تعطِ القاتل سيجارة، وقد تُقتل لأنّك قلتَ كلمة حقٍّ أمام سلطان جائر، أو أمام طاغية جبّار ، قد تُقتل لأنّك مسكين ولا أنيابَ لك أو مخالب، فأنت غريب!
أنت غريب لأنّك لا تقبل الرشاوي ولا تقبل الهدايا، أنت غريب ومنبوذ لأنّك ترفض شهادة الزور ولا تقول إلا الحق وإن كان مُرًّا، أنت غريب!
انتشرت الرّذيلة حتى أصبح ما كان ممنوعًا ومحرّمًا في الأمس، مُباحًا ومُحللًا اليوم، ونعوذ بالله من القادم.
فغياب الحق في بلدي غربة، وغياب الفضيلة في بلدي غربة، وغياب العدل في بلدي غربة، وغياب العلم في بلدي غربة. ساد الظلم والقتل والفساد وأصبح المجرم القاتل بطلًا، وأصبح اللصُّ السارق شجاعًا، وأصبح الخائن الكذّاب محترمًا، ظهرت الفئران وتحكّمت بالأسود، وعبثت الغِربان بأعشاش النسور. أليست هذه غربة؟؟؟ متى كنا هكذا؟؟؟ ولماذا أصبحنا على هذه الحال؟؟؟ أسئلة تراودني إجاباتها مؤلمة، ولكنّه واقع أليم مرير، آلمنا وأوجعنا حتى خارت قوانا، وضعفت نفوسنا، وصرنا غثاء كغثاء السيل.
لم أكتب لأنتقد وأعاتب وأشير بأصابع الاتهام إلى غيري، فإذا أشرت بأصبعك السبّابة (الشّاهد) على غيرك فبقيّة الأصابع تتّجه نحوك، لهذا علينا أن نقف وقفة المتأمّل، نضع إصبعنا على وجعنا لنشخص المرض ونبحث عن العلاج، فلا يُعقل أن نقف مكتوفي الأيدي، ننظر إلى الفوضى العارمة في مجتمعنا، ونعتقد أنّنا سنسلَم من الخطر المستشري، فالنار إن اشتعلت ستحرق الأخضر واليابس، ولا تميّز بين أحد.
لهذا علينا جميعًا أن نتكاتف ونقف وقفة رجل واحد، بقلب واحد، ننفض غبار الغربة ونبني مجتمعنا من جديد.

Be the first to comment

اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: